لقد تحوّلت قضية أصل قمرنا الأرضي وتطوّره إلى تحدٍّ حقيقي للعلماء، يستحضر الكثير من محاولات تفسير الظواهر الطبيعية المعقّدة. فقمرنا يمثِّل - على نحوٍ خاص - نموذجًا عسيرًا. ولقد غلب على البيانات والفهم العام، في كثير من الأحيان، معتقدات خاطئة وانطباعات متعجّلة.
وطبقًا لما أثبته فحص العينات المجلوبة من القمر، أخفقت كل النظريات التي كانت قائمة قبل رحلات «أبوللو» لأسباب عديدة، فنُبِذت الافتراضية القائلة بأن القمر كان موجودًا قبل أن تقتنصه الأرض؛ إذ تبين مدى صعوبة استحواذها على القمر لاعتباراتٍ متعلقة بمداره الحالي حولها.
والتشابه في الكثافة بين القمر ودثار Mantle الأرض من السليكات قد أطلق للتخمينات والتأملات العنان. فإذا عدنا إلى ما قال به جورج داروين (1845-1912) - وهو الخامس بين أبناء تشارلز داروين - فإن القمر قد نشأ من دثار الأرض الصّخري في أعقاب تكوّن لبّها الداخلي. وهذه الافتراضية بانشطار القمر عن كوكب الأرض وعائديّة مادته إلى دثارها تجابهها صعوبتان أساسيتان. فسرعة دوران المنظومة الثنائية المكوّنة من الأرض وقمرها - رغم كبرها - لاتكفي لحدوث ذلك، فهي لا تبلغ سوى رُبع القيمة اللازمة لمثل هذا الانشطار كي يحدث. أما الاعتراض الثاني فهو أكثر دلالة. فنماذج التفسير بانشطار القمر عن الأرض قد غدت أكثر النظريات عرضة للاختبار بعد جلب عينات من القمر، فقد كان من المفترض وفقًا لذلك النموذج أن تحمل الكيمياء القمرية بعض السّمات المتعارف عليها لدثار الأرض الصّخري. إلا أن تركيب القمر يعاند بشدة، ويستعصي على ذلكم التفسير، رغما عن محاولات الجيو-فيزيائيين البطولية للتوفيق بين تركيبيهما.
وهناك النموذج الذي يربط بين الأرض والقمر باعتبارهما يكوّنان كوكبًا ثنائيًّا، وهو أيضًا يجابه صعوبتيْن مماثلتيْن؛ إذ يخفق في تفسير سرعة دوران منظومة الأرض والقمر العالية، كما يفشل في تفسير الفرق البيّن بين كثافتيْهما، إلا أنه يفسر - على أية حال - تشابه نظائرIsotopes الأكسجين في كل من الأرض والقمر.
وما زال هناك نموذج نظري آخر بتكوّن القمر من حلقة من الرّكام الصّخري المتخلّف عن تحطّم كويكبات قادمة صوب الأرض، لدى وصولها داخل «حد روش» Roche limit - وهو أقل مسافة من مركز الكوكب يمكن لتابع أن يقترب بها في دورانه حول الكوكب دون أن تدمّره القوى المدّيّة. فمن شأن مثل تلك العملية أن تنتج عنها حلقة من حطام الصخور المتهشّمة فيما حول الأرض، وأن يكون لبّها الحديدي ذو المتانة الأعلى قد التحم بهذا الركام، وتحطّما معًا على سطح الأرض. ويلوح ذلك شبيهًا باحتمال تكوّن الحلقات حول الكوكب أكثر منه شبهاً باحتمال تكوّن الأقمار. ولو كان أي من هذين الفرضين يمثّل ملمحًاً عامًا لعملية تكوّن الكواكب، لأدّى ذلك إلى وجود توابع - مثل القمر - في كل مكان، ولحظىَ كوكب الزّهرة هو الآخر بتابع قمري.
وهكذا، فما من نظرية من هذه النظريات تبرر الطبيعة الفريدة لمنظومة الأرض والقمر الثنائية. فهما متفرّدان بسرعة دورانهما معًا، وبشذوذ مدار القمر. وشأنها شأن سفينة تصطدم بصخرة في أثناء إبحارها، غرقت جميع تلك النظريات، وأخفقت في تحقيق كل الشروط التي تجمعت من المعلومات عن القمر. بيد أن هناك شبه إجماع يبدو وشيكًا على نظرية ما، يلوح بأن الأجرام غير المألوفة كقمرنا، تستدعي بالمثل إرجاعها إلى أصل غير مألوف، فمعدل الدوران السريع للأرض والقمر ما كان له أن يحدث من جراء اصطدامات خفيفة متعددة من حطام أجرام ضئيلة، وإنما يفسر ذلك ارتطام مفرد عنيف لتفسير أصل القمر.
ويقتضي هذا المفهوم إلمامًا شاملاً بنواحٍ ومجالات مختلفة، فيتعيّن أن يكون الجرم المرتطم بالأرض أضخم من المريخ. وعندما اقتُرِحت هذه النظرية للمرة الأولى، لم يستسِغ الكثيرون فكرة كبر الجرم المرتطم بالأرض إلى هذا القدر. على أية حال، فإن نظرية «الارتطام المفرد العنيف» تحل العديد من المشاكل التي تلازم تفسير أصل القمر. وأقرب الافتراضات للتقبّل أن يكون للجرم المرتطم كتلة تعادل 15 في المائة من كتلة الأرض، وأن يصطدم بها بسرعة خمسة كيلومترات في الثانية. ويُفترض أن لكل من الأرض والجرم المرتطم بها لبًّا حديديًّا، ودثارًا صخريًّا إبان الارتطام، الذي يسفر عن تهشم الجسم المصطدم، وتنطلق أغلب مادة دثاره الصخري فتدور حول الأرض. وتزداد سرعة ذلك الدثار، فيما تتباطأ سرعة اللب المعدني بالنسبة للأرض حتى يهوي نحوها بعد نحو 4 ساعات من الارتطام الأول. وبعد 24 ساعة من الاصطدام، دارت كتلة من مادة دثار الجرم الصخري (السليكات) لها مثل كتلة القمر حول الأرض.
وليس من المعروف ما إذا كان الدثار الصخرى المتبقي قد كوّن أقمارًا أصغر أم التحم بسرعة بالقمر. وينتهي الأمر بجزء ضئيل من دثار الأرض إلى الاندماج بالقمر. وحيث إن النظرية تفترض تكوّن القمر أساسًا من الدثار الصخريّ للجرم المصطدم (الذي يقارب في حجمه كوكب المريخ)، فإن هذا المُعتقد قد جاء بالقول الفصل في طبيعة علاقة القمر بالأرض. لقد تمخض الارتطام الهائل عن مقدار جبار من الطاقة كان كفيلاً بتبخير أغلب المادة التي تكوّن منها القمر فيما بعد. ويفسر هذا الملامح الكيميائية الفريدة التي نرصدها، مثل جفاف القمر من المياه تمامًا، والشحّ الشديد فيه للعناصر سريعة التطاير. وأخيرًا، وكواحدة من نتائج نظرية «الاصطدام العنيف المفرد» لتفسير نشأة القمر، أفضت الطاقة الهائلة المتولدة من هذا الحدث إلى انصهار دثار الأرض، ذلك الانصهار الذي يبدو نتيجة حتمية لاندماج الكواكب.
والشرط الأساسيّ لتحقق هذه الفرضية هو بالطبع وجود مدد من الأجرام ذات الحجم الملائم ترجم الأرض. ولحسن الطالع تتعدد الاستدلالات التي تدعم هذه النظرية، من ميول محاور الكواكب، بما يدل على سابق وجود أجرام في حجم المريخ في المنطقة الداخلية من المنظومة الشمسية. وعلى أية حال، ورغم أن تفاصيل حدث نشوء القمر لا يمكن التكهّن بها، فقد كانت الرجوم الهائلة في التاريخ المبكر للمنظومة الشمسية أمرًا شائع الوقوع، ولم يستدعِ الأمر أكثر من أن أحدها كان ذا حجم ملائم، وارتطم بالأرض بالسرعة وبالزّاوية المناسبتيْن بما كفل نشوء القمر، ذلك الجرم الذي كان - وما يزال - مصدراً لإلهام الشعراء!.
بقلم :عبد العزيز العيرجي |
الثلاثاء، 10 سبتمبر 2013
الرئيسية
/
صور /
علم الفضاء /
فضاء
/
مجلة علمية شهرية تصدر عن مجلة العربي تصدرها وزارة الإعلام بدولة الكويت لمحبي الاطلاع والعلوم
مجلة علمية شهرية تصدر عن مجلة العربي تصدرها وزارة الإعلام بدولة الكويت لمحبي الاطلاع والعلوم
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق